ابو البركات
429
الكتاب المعتبر في الحكمة
أخرى وتتأذى به أخرى فكذلك يكون أشد الذاذا أو ايذاء لبعض دون بعض فتتفق نفسان في الالتذاذ بحالتين وتختلفان في ايثار أحدهما وكذلك في التأذى للمناسبة والمباينة وكثرتهما وقلتهما وتختلف أيضا بحسب الأحوال المعارضة فان اللذيذ قد يرد على نفس مشغولة عنه بلذة أخرى أو أذى فلا تشعر به أولا تتفرغ لادراك لذته وكذلك المؤذى في اذيته فان الخائف لا يستلذ مطعوما وان كان جائعا ولا يتفرغ قلبه لطيب يرد عليه حتى يستطيبه وكذلك يرد عليه المؤذى من حر وبرد وخشن وعنيف فلا يشعر به حتى تنال نفسه منه الأذى وكذلك يصادف اللذيذ والمؤذى من النفس فراغا والتفاتا فيشعر بحقيقة اللذة والأذى ويقلّ ذلك ويكثر بحسب ما قلنا . وتختلف النفوس في قوة الادراك وصفاته فالأقوى ادراكا هو أكثر شعورا بلذة اللذيذ وأذية المؤذى والذي يستثبت المدرك ويحفظه يثبت عنده ويستقر اثر اللذة والأذى فان تذكار اللذة لذيذ وتذكار الأذى اذى فالملذّ والمؤذى ما لم يعرفهما الملتذ والمتأذى لم يطلب هذا ويكره هذا وانما يؤثر ويكره الخبير العارف بقدر اللذة والأذى فإذا أدرك المدرك اللذة وشعر بها وعرف قدرها رغب فيها وطلبها وإذا نالها بعد الطلب كانت ألذ عنده من النيل الأول وإذا تكرر النيل قرر محبة فلذلك يكون موقع اللذة عند الملتذّ بالتكرار أقوى فإذا ثبتت المحبة استمرت فأحدث استمرارها إلى المحبوب شوقا فإذا استمر الشوق خلصت الرغبة وتملك الطلب الهمة فصارت المحبة عشقا فإذا استمر العشق ازداد الشوق وتكرر ذكر المعشوق فتملك الحفظ فاستمر الذكر فتمكن الشوق فازداد العشق كذلك دورا حتى يتملك الذكر فيشغل عن كل ما يتذكر بل عن كل محفوظ وعن حفظ ما يستثبت وعن استثبات ما يدرك حتى يشتد العشق بانبعاث الشوق باستمرار الذكر حتى لا يتذكر محفوظ ولا يتحفظ مستثبت وحتى لا يستثبت ملحوظ حتى لا يلحظ وارد لغيبة العاشق في عشقه فيصير متيما مأخوذا عن نفسه من حيث لا يخطر بباله الا معشوقه وعشقه له حتى ربما ضاق وسعه عما عدا معشوقه فلا يشعر معه بذاته ولا بعشقه له . قال شاعر هم الذي هو شاعرهم .